حرب السرديات في "أغبالو نكردوس": حين تنتهك حرمة الموتى لتبرير مزاعم واهية

 بقلم رشيد بجنة


شهدت قرية "أغبالو نكردوس" مؤخراً واقعة مؤسفة هزت الرأي العام المحلي والوطني، وتمثلت في محاولة غير مسبوقة لعرقلة مراسم دفن سيدة متوفاة. هذا السلوك، الذي يضرب في العمق قيمنا الدينية، الإنسانية، والأعراف الأصيلة للمجتمع المغربي، قوبل بموجة استنكار عارمة وتضامن واسع مع أسرة الفقيدة، قبل أن تتدخل السلطات المختصة بحزم لإنفاذ القانون ووضع حد لهذا الوضع الشاذ.

غير أن فصول الواقعة لم تنتهِ عند حدود الدفن؛ إذ سارعت بعض الأطراف—في محاولة للالتفاف على الاستياء الشعبي وتبرير مواقفها—إلى إطلاق حملة تضليلية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. وتأتي هذه الخطوة في إطار ما يمكن وصفه بـ "حرب السرديات "، حيث جرى تسويق روايات مجانبة للحقيقة تصوّر عملية الدفن وكأنها محاولة "للاستيلاء على الأرض"، في قفز مفضوح على الوقائع والوثائق التاريخية والقانونية الثابتة.

الحقيقة العقارية: أرض سلالية مشتركة لا إرث خاص

إن محاولة صناعة سردية بديلة تتهاوى أمام أول اختبار للمصلحة والوثائق؛ فالموقع المعني لا يشكل أرضاً خلاءً أو ملكية حصرية، بل يضم بالفعل أضرحة ومقابر سابقة تؤكد هويته. ومن الناحية القانونية، يندرج هذا الوعاء العقاري ضمن الأراضي السلالية المشتركة المعترف بها تاريخياً بين ثلاثة قصور وهي: آيت عبد الصمد، أغبالو المركز، وتغنبوت. وبالتالي، فإن أي ادعاء بملكية حصرية أو حيازة انفرادية لهذا العقار هو ادعاء عارٍ من الصحة ولا يستند إلى أي أساس قانوني أو عرفي.

علاوة على ذلك، فإن مشروع إحداث المقبرة الجديدة لم يكن وليد العشوائية أو خطوة أحادية، بل جاء ثمرة عمل لجنة إدارية وتقنية مختصة، اشتغلت تحت الإشراف المباشر للجهات الوصية، وحصلت على موافقة صريحة وموثقة من نواب وممثلي القصور الثلاثة المعنية، تفعيلاً لمبدأ المصلحة العامة وصوناً لكرامة الموتى.

تسييس المآسي الإنسانية

أمام هذه المعطيات الثابتة، يبرز تساؤل جوهري حول الخلفيات الحقيقية وراء افتعال هذا النزاع في هذا التوقيت بالذات. إن استغلال ملف المقابر واللعب على أوتار المآسي الإنسانية ولحظات الفقد الأليمة لتمرير أجندات ترابية أو فرض سياسة الأمر الواقع، هو سلوك مرفوض جملة وتفصيلاً. فالأعراف الراسخة بالمنطقة، المستمدة من روح الدين الإسلامي الحنيف، تقتضي أن تظل لحرمة الموت الجلالة والمهابة والنأي بها عن أي تصفية حسابات ضيقة.

بناءً على ذلك، تقع على عاتق الجهات التي ساهمت في عرقلة هذا المشروع الاجتماعي والمساس بحرمة الجنازة، وما ترتب عن ذلك من احتقان واضطراب في السلم الأهلي، مسؤولية أخلاقية، اجتماعية، وقانونية كاملة أمام الساكنة والتاريخ.

نحو تغليب الحكمة وسلطة القانون

إن التحديات الراهنة التي تواجهها المنطقة تستدعي من الجميع التحلي بروح المسؤولية وتغليب لغة الحكمة والتعايش على نزعات التفرقة والفتنة. إن المخرج الوحيد لأي خلاف هو الاحتكام الصارم للقانون والمؤسسات الرسمية، والالتزام التام بالمحاضر والاتفاقات التي أبرمتها الأطراف المعنية تحت رعاية السلطات.

لا يسعني إلا أن أجدد الدعوة للسلطات الإقليمية والمحلية لمواصلة الحزم في تطبيق القانون وحماية الاستقرار الاجتماعي، سائلين العلي القدير أن يتغمد الفقيدة بواسع رحمته، وأن يلهم ذويها الصبر والسلوان، وأن تظل المنطقة نموذجاً للتآخي والاحترام المتبادل بين جميع أبنائها.

Comments

Popular posts from this blog

قراءة في ديوان اسكراف للشاعر محمد مستاوي

جذور المسرح الأمازيغي

الانتقال من الشفوي إلى المكتوب العلاقة والتجليات