الانتقال من الشفوي إلى المكتوب العلاقة والتجليات

 

    الانتقال من الشفوي إلى المكتوب العلاقة والتجليات 

       

بينما كانت المجتمعات القديمة تعتمد على النقل الشفهي لنقل المعرفة، أتاح ظهور الكتابة إمكانية التوثيق والحفظ الدائم للأفكار مما ساعد في تراكم المعارف وتطور الحضارات. ويعد الانتقال من الشفوي إلى المكتوب من التحولات الأساسية التي ساهمت بشكل كبير في تطور الثقافة البشرية، حيث شكل هذا الانتقال نوعا من التطور في طرق التواصل والتعبير عن المعرفة وتخزينها.
تتسم العلاقة بين الشفوي والمكتوب بالتكامل والتفاعل المستمر، إذ أن الكتابة لم تؤدي إلى إقصاء الشفوية تماما، بل عززت دورها وجعلتها أكثر تنظيما، فقد ورد عن كتاب "الشفاهية والكتابية" أن العقل الكتابي من دون الكتابة لا يستطيع أن يفكر على النحو الذي يفعله ليس فقط عندما يمارس الكتابة بل حتى في حالة إنشائه لأفكاره في شكل شفاهي[1]. وقد كانت الكتابة وسيلة لحفظ الأقوال الشفهية وتوثيقها، كما أنها اعتمدت في البداية على البنيات اللغوية والأساليب البلاغية الموروثة من الثقافة الشفاهية، حيث ورد كذلك في الكتاب الذي ذكرناه مسبقا أن في العقود القليلة الماضية تنبه مجددا جمهور من الباحثين إلى الشخصية الشفاهية للغة، وإلى بعض الملابسات العميقة للتقابل بين الشفاهية والكتابة.[2]
يعتبر حفظ المعرفة ونقلها من بين تجليات الانتقال من الشفوي إلى المكتوب، وذلك لكون المعارف تنقل شفهيا عبر الأجيال، ما يعرضها للتحريف والضياع، أما بعد ظهور الكتابة فقد أصبح بالإمكان توثيق المعلومات وحمايتها من التبديل. كما نجد أن الانتقال من الشفوي إلى المكتوب ساهم كذلك في تطور الأجناس الأدبية كالشعر والمسرح والقصص السردية بالخصوص، حيث أن الشعر الشفوي كان يعتمد أساسا على التكرار والسجع لتسهيل الحفظ، بينما جاءت الكتابة لتساهم في تحرير النصوص الأدبية من هذه القيود وأفسحت المجال لظهور أساليب جديدة أكثر تنوعا وتعقيدا، وكمثال على هذا ورد في نفس المرجع الذي ذكرناه سابقا أن تفسيرات الكتابيين نظرت للملحمة الشفاهية في الماضي بشكل عام إلى الشعراء الشفاهيين الملحميين على أنهم لا يجيدون تنظيم الحبكة ولا يحترمون تتابع الزمان والأحداث، ملصقة بهم تهمة الانحراف الواعي عن تنظيم لم يكن في الحقيقة متاحا من دون الكتابة[3]. إضافة إلى هذا كان لظهور الكتابة دورا أساسيا في نشوء المدارس والمكتبات، حيث أصبحت وسيلة رئيسية لتدوين المعرفة ونقلها بشكل منظم، مما عزز البحث العلمي والتفكير النقدي والتقدم الأكاديمي والتكنولوجي.
يبقى الانتقال من الشفوي إلى المكتوب أحد أهم التحولات التي طرأت في تاريخ البشرية، إذ أسهم في توسيع نطاق المعرفة ونقلها عبر الأجيال. ورغم التطورات التكنولوجية فإن العلاقة بين الشفوي والمكتوب لم تنقطع بل تكيفت مع الأدوات والوسائل الجديدة، مما يتبث أن هذين الشكلين من التواصل لا يزالان يكملان بعضهما البعض في تشكيل الثقافة الإنسانية.

. الشعر الأمازيغي من الشفوي الى المكتوب:

يعتبر الشعر الأمازيغي من أقدم الفنون الأدبية في الثقافة الامازيغية وهو الأكثر الاجناس الأدبية انتشارا وتداولا في المجتمع الامازيغي. فما هي الانتقالات التي عرفها الشعر الامازيغي؟ وماهي بعض اللحظات التي مر منها الشعر الامازيغي من التدوين الى انتقاله للكتابة؟ وماهي المراحل التي مر منها؟

الانتقالات الكبرى في مسار الأدب الأمازيغي:

في اللحظة الأولى انتقل الشعر الامازيغي من الشفوي الى التسجيل وأيضا انتقال من مستوى الاستهلاك والتلقي من ثقافة الأذن والسمع إلى ثقافة العين والبصر والقراءة وقد بداءة هذه الوسائل التقنية تعوض الذاكرة في تخزين وحفظ التراث.

أما في اللحظة الثانية التي نعتبرها بمثابة مرحلة تمهيدية لظهور الأدب الأمازيغي الحديث خاصة الشعر، وفي هذه اللحظة استفاد الشعر الأمازيغي من التدوين الكتابي ولقد تحكمت فيه مجموعة من الدوافع والأهداف مختلفة وهي أهداف بينية توجيهية عند الفقهاء والمتصوفين وكذلك غايات إثنوغرافية استعمارية عند بعض المستمزيغين ودوافع برغماتية عند بعض الجامعين في بحوثهم. ونري أن القاسم المشترك بين هؤلاء أنهم لا يعتبرون عملية التدوين هدف في حد داته بل مجرد وسيلة لتحقيق أهداف معينة. وكذلك يمكن أن يلامس الوعي وفلسفة التدوين إلا في حدود الثمانينات من القرن الماضي عند صدور كتاب أمنارسنة 1968 الذي دون فيه أحمد أمزال حوالي 70 قصيدة ومقطوعة من الشعراء الأمازيغ والرواد بالجنوب خاصة شعراء الروايس. [4]
وفي الأخير يمكن القول إن تدوين الشعر الأمازيغي وطبيعته هو بداية انتقال جوهري وأنه يساهم في تنمية قراءة الشعر وتذوقه لدى الجمهور الأمازيغي المتعلم.

المرحلة التأسيسية:

يعود ميلاد المرحلة التأسيسية إلى الستينات من القرن الماضي واعتبرت هذه المرحلة بداية لتجربة الكتابة. ويعد ديوان “إسكراف “لمحمد المستاوي الصادر 1976 أول دوان أو مجموعة شعرية في الأدب الأمازيغي الحديث، ونسجل هنا أن أقدم نص شعري في الدوان يعود إلى بداية الستينات 1963.
يعتبر المستاوي مؤسس من الجانب التاريخي وهذه المرحلة التأسيسية امتدت من بداية تجربة الكتابة الى نهاية السنوات التسعين من القرن الماضي، وقد تميزت هذه المرحلة عموما بالقلة في لإنتاج خاصة في العقدين الأولين:
في السنوات السبعين هناك ديوانين فقط (1976) iskraf الاول ;، والثاني taḍsa d imṭṭawn (1979). في ديوان اسكراف الذي دشن التجربة نجد محمد المستاوي يسخر شعره لرصد المشاكل والأمراض الاجتماعية للوسط الامازيغي القروي وتناول فيه المستاوي مجموعة من المواضيع الاجتماعية منها "الزواج المبكر، المشاكل الدنية" كما تطرق كذلك الى مواضيع الوحدة الترابية في قصيدتين وقصيدة حول الاحتلال الفلسطيني. ونجد نفس المواضيع التي تناولها في الدوان الأول يتم تناولها من جديد في الدوان الثاني taḍsa d imṭṭawn كأننا أمام دوان واحد في جزئين.

في السنوات الثمانينات هناك خمسة دواوين:

· الديوان الأول لحسن ادبلقاسم بعنوان tislit n unẓaṛ سنة 1986.
· الديوان الثاني tabrat لإبراهيم أخياط سنة 1989.
· الدوان الثالث ifrawn لمصطفى بيزران سنة 1987.
· الديوان الرابع asays سنة 1988.
· الديوان الخامس timitar سنة 1988.
وفي سنوات التسعينات نجد 24 ديوان شعري، وقد عرف الشعر الامازيغي في هذه المرحلة حركة إبداعية منها التحاق الجهات الأمازيغية الأخرى بهذه التجربة التي كانت ولادتها سوس والجنوب وظهرت أيضا أسماء جديدة ك إبراهيم أبلا وسعيد المساوي... كما ظهرت أيضا شاعرات أمازيغيات الأول مرة ك فاطمة الورياشي "isrmd iyyi wawar" وكذلك انتشار الوعي في الصفوف الجالية الأمازيغية بالخارج ومن شعراء الجالية أحمد الزياني. [5]

مرحلة الألفية الثالثة:

تبدأ المرحلة الألفية الثالثة من سنة 2000 وتميز فيها الشعر الأمازيغي بحيوية وغزارة في الإنتاج وعرفت مجموعة من الأسباب التطور والامتداد كالإنفتاح السياسي والاعتراف الرسمي بالبعد الامازيغي للهوية الوطنية وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001 ودمج اللغة الامازيغية في جزء من التعليم مندو 2004/2003 وكل هذه الأسباب الأثر الكبير في تطور الأدب الأمازيغي وفتح افاق جديدة تدخل غمار الإبداع الأول مرة. الى جانب الرواد الدين كان لهم حضور في تأسيس واستمروا في هذه المرحلة. تم تدشين هذه المرحلة من لدن الشاعرة الريفية ميسا رشيدة سنة 2000" بديوانها iwk iyyi turjit inu اعطيني حلمي " وفي سنة 2001 صدر ديوان " tislit iku ass عروسة كل يوم" أحمد حداشي وفي سنة 2002 صدر ديوان ثالث لإبراهيم أكيل tilmi n wadu. وتوالت بعد الدواوين وظهور شعراء اخرين نذكر منهم:
· الطيب أمكرود الدي دون 6 دواوين في فترة ما بين 2008 الى 2019.
· عياد ألحيان ب 5 دواوين.
· عبد الله المناني ب 4 دواوين
· خديجة أروهال 4 دواوين.
· فاطمة فائز 3 دواوين.

ومن أهم مميزات الكتابة في هذه المرحلة اختيار الحرف اللاتيني وتيفناغ في الكتابة حيث يعبر عن رغبة في التغير والخروج عن نماط السابق أي محاولة الخروج عن الأوزان التقليدية يستنى بعض الشعراء الذين ما يزلون مستمرون في الكتابة الشعرية الإبداعية " مستاوي و أبلا..." كما نجد أن حصيلة الشعر الأمازيغي في المغرب وصلت الى 306 ديوان هي الحصيلة الإجمالية للدواوين المنشورة في المغرب بمختلف التنويعات اللغوية الأمازيغية.[6]


 [1] ترجمة حسن البنا عز الدين، الشفاهية والكتابية، منشورات عالم المعرفة، 1994، ص129.

 [2] المرجع نفسه، ص41.

 [3] المرجع نفسه، ص205.

[4] مقتطف من مادة الشعر الأمازيغي شعبة الدراسات الأمازيغية، جامعة ابن زوهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية اكادير.

[5] مقتطف من مادة الشعر الأمازيغي شعبة الدراسات الأمازيغية، جامعة ابن زوهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية اكادير.

[6] مقتطف من مادة الشعر الأمازيغي شعبة الدراسات الأمازيغية، جامعة ابن زوهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية اكادير.

Comments

Popular posts from this blog

قراءة في ديوان اسكراف للشاعر محمد مستاوي

جذور المسرح الأمازيغي