بعض تيمات الشعر الامازيغي الحديث بالريف


بعض تيمات الشعر الامازيغي الحديث بالريف                                                                                  

خلافا لما هو شائع فإن القصيدة الريفية عرفت أنماطا عديدة من الإبداع، إذ عرفت غزارة في الإنتاج حسب المناسبات الاجتماعية.. وتميزت “إزران” الذي يعد منتوجا فكريا غنيا بالدلالات الثقافية والرمزية وتشكل اللازمة الشعرية أيارالا بويا لازمة للقصيدة الشعرية في منطقة الريف، لأنها ذات دلالة فنية متميزة، لأنها لصيقة بالذاكرة الشعبية، إضافة إلى “تيقسيسين” التي تشكل نمطا خاصا يكتسب جمالية في التعبير.
وقد حفظت الذاكرة الريفية أشعارا تناولت أمجاد وبطولات أبناء المنطقة، كمقاومة عبد الكريم الخطابي ضد الاحتلال الإسباني، إذ نجد قصائد تصف تحركات المقاومين وتحركاتهم وتفاصيل معركة أنوال الخالدة التي دارت رحاها في منطقة تاليليت. ويعد هذا الشعر الملحمي والقصصي من أروع ما جادت به قريحة الشعراء، معتمدين في ذلك الأسلوب الوصفي الذي يتميز بفخامة اللفظ والرموز التي تصف الحياة اليومية لأهل الريف. فإلى عهد قريب ثقسيسين و” إزران“، حيث تتبارى النساء خلال حفلات الأعراس في إظهار محاسن أبنائهن أو بناتهن أو أخواتهن، وكذا أناشيد عديدة تتناول قضايا وطنية.
و”إزران” لفظة تدل على الشعر المغنى بشكل عام، سواء كان قصيدة أو مقطوعات شعرية قصيرة كما هو الحال في “تيقسيسين” Tiqssisinويعرف الأستاذ فؤاد أزروال في مداخلة تقدم بها خلال الملتقى الأول للشعر الأمازيغي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الأول بوجدة في مارس 2004،) “إزران” بأنها صيغة جمع مفردها “إزري”، وقد تقابله في اللغة العربية تسمية “البيت الشعري”، وهو نمط يعتمد على تجميع ارتجالي لأبيات متعددة لا روابط عضوية بينها، بل قد يتجاوز بيتين أو أكثر متضادي المعنى دون حرج؛ فالشاعر أو المنشد يردد أو يرتجل، حتى إنه في الغالب يتعذر عليه أن يعيد إنشاد نفس النص بذات الأبيات وذات الترتيب.

وندرج نموذجا من إزران.

أيا دهار أبران

أيا سوس ن يخسان

وني زايك إغران

أزايس أغارازما

أم غرانتش ثبريغين ابيسانْ إفْرانْ

ما يغاريشن نْوَاشْ بنْ تعمان
وقد عرفت القصيدة في الشعر الأمازيغي في منطقة الريف تطورا مهما، وأثثت الساحة الأدبية بدواوين شعرية متميزة، نذكر من شعرائها على سبيل المثال لا الحصر سعيد موساوي، وفاظمة الورياشي، وعائشة بوسنينة، وكريم كنوف، ومصطفى بوحلسة، ومحمد العمالي، وأمنوس، والحسن المساوي، والطيب الزوهري، ومايسة رشيدة المراقي، ومحمد أسويق.
ولقد خارجت القصيدة الريفية من تقاليدها الشفوية إزران وتخلصت من قيود ومضامين والأغراض التي سيطرت عليها خلال فترة ما قبل التسعينات والتي كانت تتمحور حول الحب، السياسة، مواضيع اجتماعية (زواج، طلاق …) إلى جانب كل الأغراض الشعرية المعروفة من مدح، وصف، حكمة، سرد القصص (كقصص الأنبياء خاصة قصة يوسف وسليمان عليهما السلام…) والأحداث التاريخية (وقائع الاستعمار وملابسات الاستقلال الإداري الشكلي، التدافعات السياسية، صراعات قبلية، وصف المقاومة وتحفيز المقاومين..)
إلى جانب التيمات القديمة يلاحظ نزوع إلى الشعر الملتزم بالنضال والدفاع عن القضية الامازيغية من منطلق الوعي العصري بالقضية، تحرير أرض الريف من قيود لاستغلال والإقصاء والتهميش وإن كنا نجد أنفسنا أحيانا أمام تخمة شعرية من خلال ورود التيمة نفسها بالتناول نفسه في قصائد عدة، ومن الموضوعات والقضايا الجديدة التي أفرزتها تلك الظروف ما يلي:

تيمات الهجرة والاغتراب:

Seqsa xaf-I lbhar
Yecca yeswa bater
Tudart n wattas n yayetma.
Udfev rebhar uggiv
Mani yega ujemmad-in.
Ahmed zyyani
يصور الشاعر تجربته الفظيعة في أرض الغربة معلنا ثورته الصارخة على الوحدة والضياع في هذه القصيدة البكائية الحزينة التي تنم عن اندثار الشاعر وتشتته نفسيا ووجودانا. ويذكر الشاعر فيها المآل المأساوي الذي آل إليه من شدة البكاء والعزلة والتشرد وهجرة بلده بحثا عن الاستقرار والعيش الكريم ناعيا وطنه الذي لم يجد فيه مكانا يصبو إليه ولم يلف فيه سوى الإهانة والذل والعار. وبعد ذلك، يحن الشاعر متشوقا إلى حنان أمه وعطفها عليه، وترمز الأم هنا إلى الأرض التي تحيل بدورها على منطقة الريف.
أن الشاعر ارتباط ارتباطا وثيقا بآمال عودة الانسان الريفي المغترب عن بلاده الام بالرغم من سنوات الهجرة والوحدة فإنه ظل محافظا على أمازيغيته ومعتزا بانتمائه الريفي.
إن الاغتراب يحوم بقوة في سماء الشاعر والاغتراب يدل على البعد ومعناه الابتعاد عن الوطن، فقول عن المسافر الى خارج الوطن انه في غربة واغتراب.
يطغى الاغتراب على أجواء القصائد الشعرية، ولاغتراب طاهرة وجدت مع وجود الانسان في الأرض، وقد توفق الشاعر في الأخير في تمثيل مدرسة الشعر الاغترابي أحسن تمثيل؛ لأنه استطاع أن يعكس لنا بكل صدق المعاناة التي يعيشها الإنسان الأمازيغي المغترب الذي ظل سيزيفيا في وطنه المنهوش ومتشردا ضائعا في سجن الهجرة الملعون.
ويستقطر الشاعر حبر المرارة وجرعة الكلمة ليجعل من الشعر أداة للتفجع والتحسر على ذاته الممزقة الضائعة بين أنياب الواقع المهترئ المتردي وواقع الهجرة المحبط طالبا أن تدون تجربته المريرة في أطراس البؤس والكمد الأسود، وأن تنقش صفحاتها في سماء الذاكرة الضائعة بين الآمال المستشرقة الزائفة واللمعان البراق الواهم.

تيمات الهوية


Tamurt-inu

Mermi va tirid d taltecint ?

Necc var daxar-nnem d yared

Necc ffvev zzay-m s twagit
ومن هنا، فالشاعر ملتزم بهويته وذاكرته الريفية يتغنى بالقضية الأمازيغية ويدعو إلى التشبث بالأرض والدفاع عنها

Ttezzuv asnflul inu
Di tutlayt n zzma
D djvarv n llva
Qqzev t d iwaln
Xef usefru amadlan
Mani 3ad tamezva.
هذه القصيدة تتخذ أبعادا رمزية وسياسية، وفيها يلتزم الشاعر بقضية الأرض والدفاع عن الإنسان الأمازيغي المستلب والمهضوم في حقوقه. يريد الشاعر في هذا النص الشعري أن يعرف هويته وحقيقة وجوده في هذه الحياة.
يدين الشاعر إذاً القمع السياسي ويرفض الاستبداد والتسلط والقهر وتقييد حياة الإنسان الأمازيغي المفطور على الحرية والكرامة في أرضه، ويستنكر أيضا سياسة التهميش في حق هذا الإنسان الذي أصبح يحس بأنه لا قيمة له في هذا الوجود، وأنه إنسان منبوذ في أرضه التي نشأ فيها عبر ذاكرة الأجداد ومقاومة الآباء وتعاسة الأبناء

تيمة الألم والمعانات:

A mmi, mayemmi tudart-a
I di nedda nedda s uvir?
A mmi, mri va nemmet a neddar,
Rexxu neddar nemmut,
Maca 3ad war nendr.
Ammi, tudart-nnev d tagest !
Mermi va nzar azir .
المعاناة والألم والمرارة وتجرع المأساة والثورة على الظلم الإنساني والاجتماعي، ناهيك عن تمزقه من شدة الاغتراب الذاتي والمكاني والصراخ في وجه القوى العاتية والبكاء على الطبقات المهمشة وخاصة وضعية الإنسان الكادح. وينشد الشاعر أغاني الضياع والفقدان والموت. وبالتالي، تتحول القصائد الشعرية عنده إلى مراثي جنائزية وسمفونيات حزينة ومواويل للبكاء والصراخ والنعي. أي إن الديوان مرثية للإنسان الأمازيغي ومرثية للزمن الأمازيغي المستلب الذي تنهشه الآهات والزفرات وتطحنه الذكريات السوداء وتفترسه الكآبة والهموم الثقيلة والمآسي الحزينة. ومن ثم، يطغى التشاؤم على الشاعر ويأسره اليأس والحنين والشوق إلى الوطن والأهل والأحبة من شدة الهجران والنفي والاغتراب الناتج عن الوحدة والتفرد والعزلة والخوف من المجهول هذا ما يجسده الشاعر تعبيرا عن معاناته تجاه الحياة.
وتبلغ المأساة بالشاعر حينما يعلن موت الإنسان الأمازيغي ويعلن إفلاسه الوجودي ونهايته المصيرية، وينعى المجتمع الريفي الذي لم يعد سوى مرتع للموت والتجهيل والتهريب والتهجير إلى بلاد الغربة عبر سراديب الموت ودهاليز التطهير والتصفية البشرية. ويستغرب الشاعر مما آل إليه الوضع في الريف الذي يديره سماسرة السراب.

تيمات الحرية:

Maca tfukt-nnev xa-tari
U mara turi turi turi
Tirelli i tirelli !
I mavar ? mayemmi ? umi ? d mayemmi…
I tirelli.
إن نوع هذه الموضوعات يؤشر على تداخل المحلي بالوطني، والقومي بالإنساني، كما يحضر الشعر في دواوين شعراء الريف، باعتباره سبيلا للانتفاض والثورة، واستشراف الوعي الممكن والأمل المشرق، ويجسد كذلك أداة للتغيير ودك التخلف والاستلاب، والإقصاء والتغريب والتهميش. مما يجعلنا نقول بوعي إن الشاعر الأمازيغي بالريف يجعل القصيدة تواكب مستويات تحديث المجتمع المحلي، والوطني والإنساني. كما أن الشاعر الأمازيغي بالريف قد وعى، في خضم التناقضات الاجتماعية والثقافية وصراع القيم، أن الثقافة الأمازيغية التي يحملها تشكل بالنسبة إليه المرجعية التي لا يمكن تجاوزها، أو إنكارها وطمسها.
إن نزعة التمرد والرفض تطغى بشكل واضح نتيجة مرارة الاغتراب التي تجرعها الانسان الريفي ولكن من رغم هذه المآسي كلها، فإنه لم يتخل عن النضال في سبيل حريته وحريه اهله.
ويقف الشاعر في وجه الطغاة والمستبدين وأعداء الشعوب الضعيفة. ويدعوها الشاعر بصوت صارخ كي تكسر قيود العبودية والذل والهوان لتستشرف غد الأمل المعسول وغد الحرية والانعتاق من الجبر الأسود والخنوع المفروض كما تتسم قصائده الثورية

خاتمــــة:

وخير ما ننهي به موضوعنا هو أن الشعر الامازيغي الحديث هو شعر المرارة والحزن، وشاعر الألم والأمل، يجتر المعاناة الذاتية والموضوعية، ومن جانب آخر يحمل في صدره هموم الذات والوطن والإنسانية بصفة عامة. ولا ننسى أنه شعر ملتزم بالقضية الأمازيغية والهوية المحلية، يتغنى بالذاكرة الأمازيغية ويشدو بالهوية والتاريخ، ويسترجع أمجاد الريفيين ويستقرئ صفحات بطولاتهم، وفي نفس الوقت يثور على واقعهم المستلب الذي ينخره الغدر والإحباط. ولكن الشاعر لا يريد أن يبقى مقيدا بشرنقة اليأس والهزيمة المكلومة، بل يتحدى الحاضر وينظر بكل أمل إلى غد الحرية والتحرر والانعتاق من الاستعباد والجهل والظلم الاجتماعي والسياسي.

Comments

Popular posts from this blog

قراءة في ديوان اسكراف للشاعر محمد مستاوي

جذور المسرح الأمازيغي

الانتقال من الشفوي إلى المكتوب العلاقة والتجليات